نظرة إلى جرائم شادي الويسي، وسياسات هيئة تحرير الشام قبل التحرير وبعده تجاه مجتمع الميم-عين في سوريا

في ظل تصورات تسعى إلى رسم ملامح جغرافية لسوريا خالية من العنف والقمع، يبرز في المقابل خطاب يتباهى بالاعتداءات الجسدية واللفظية التي تستهدف مجتمعات الميم عين داخل سوريا. يتجلى هذا في تفاعل أصوات افتراضية على وسائل التواصل الاجتماعي، تكرّس واقعًا إقصائيًا يفتقر إلى التعاطف مع كرامة الأرواح التي طالتها انتهاكات مستمرة، امتدت من منظومات القمع الأمنية في نظام الأسد إلى كل من امتلك موازين قوة مدعومة بالسلاح أو بسلطة ذكورية متجذرة.
لا تتناول المدونة الحقوق والحريات الأساسية لمجتمع الميم-عين بوصفه مجموعات وأفرادًا يتمتعون بصفات وخصائص قد تكون مختلفة أو متمايزة عن المجتمع المهيمن، بل تركز السردية هنا على حقيقة أن مواطنين ومواطنات واجهوا – ولا يزالون يواجهون – عنفًا أمنيًا وجسديًا مبررًا أو متغاضى عنه من قبل العديد الهياكل الثورية المسلحة و/أو المدنية.
منذ سقوط نظام الأسد في 8 ديسمبر 2024، انتشرت سلسلة من المقاطع المصوّرة التي توثّق اعتداءات رجال مسلّحين على أفراد عابرين/ات واقتحامهم لمنازلهم/نّ في سوريا، كان آخرها في يناير الماضي.تُظهر هذه المقاطع، التي سجّلها المعتدون أنفسهم، مشاهد قاسية لعابرين/ات يتعرضون لإهانات لفظية واعتداءات جسدية باستخدام الأسلحة، وسط حالة تهديد مرعبة.
تأتي هذه الانتهاكات في ظل غياب منظومات قضائية وقانونية عاملة داخل سوريا الجديدة، على خلاف العقود الخمسة من حكم الأسدين، الأب والابن، والتي اعتمد خلالها مجتمع الميم-عين السوري على تكتيكات نجاة لمواجهة السلطة الأمنية والشرطية، بالإضافة إلى العنف المجتمعي. لقد نجحت بعض هذه التكتيكات بفضل الخبرات المتراكمة من الانتهاكات الطويلة التي تعرض المجتمع لها، مما مكّنه من التعامل مع أشكال مختلفة من العنف، حتى وإن لم تكن ادوات النجاة تلك مضمونة دائمًا. أما اليوم، ومع الانتقال من منظومة قمعية إلى منظومة أخرى غير مألوفة لشرائح واسعة من السوريين /ات الذين عاشوا تحت حكم الأسد خلال سنوات الثورة، يصبح من الضروري العودة إلى ممارسات الفصائل المسلحة، بما فيها هيئة تحرير الشام، التي عُرفت سابقًا باسم "جبهة النصرة"، لفهم الواقع التاريخي الذي قد يمتد لعقود قادمة.
واجه أفراد مجتمع الميم-عين خلال حقبة الأسدين حملات قمعية مشددة، سواء عبر المنظومتين القانونية والامنية أو من خلال حملات تحريضية مباشرة. فعلى المستوى القانوني، استخدمت مواد قانون العقوبات الخاصة بـ"الآداب والأخلاق العامة" ، إلى جانب قانون مكافحة الدعارة رقم 10 لعام 1961، لملاحقة أفراد مجتمع الميم-عين، حيث قامت دور القضاء والمدّعون العامون بتكييف التهم وفق هذه القوانين لاعتقالهم ومعاقبتهم. إلى جانب ذلك، قادت الحكومة حملات منظمة ضد مجتمع الميم-عين كان بشار الأسد شخصيًا أحد محرضيها، حيث صعّد في 2021 من خطاب الكراهية عبر ربط أفراد المجتمع بأجندات خارجية تدميرية وبالنيوليبرالية، مما أدى إلى حملات اعتقال واسعة، بالإضافة إلى مصادرة الألعاب الملوّنة، وطلاء الأدراج الملونة، في محاولة لطمس أي رموز قد تُرتبط بالتنوّع الجندري والجنسي، بينما وثّقت العديد من التقارير الحقوقية استخدام العنف الجنسي من قبل الأجهزة الأمنية كأداة تعذيب ممنهجة استهدفت أفراد مجتمع الميم-عين المعتقلين/ات.
وخلال سنوات الثورة السورية ومع اندلاع النزاع المسلح، ظهرت مجموعة كبيرة من الفصائل المسلحة التي تبنّت أيديولوجيات دينية متفاوتة في التشدد الاجتماعي. فرضت هذه الفصائل، في مناطق سيطرتها، واقعًا قانونيًا جديدًا، حيث استخدم كل فصيل سلطته لإصدار أوامر إعدام استهدفت العديد من أفراد مجتمع الميم-عين في تلك المناطق الخاضعة لحكم الأمر الواقع.
استخدم تنظيم داعش الإعدام كأداة للإرهاب والترهيب ، بهدف فرض أيديولوجيته على المجتمعات الخاضعة لسيطرته، وفق تقارير المنظمات العاملة على قضايا مجتمع الميم عين السوري نفّذ التنظيم ما لا يقل عن 16 عملية إعدام على الأقل في سوريا بتهم تتعلق بالمثلية، وتنوّعت أساليب الإعدام بين الرجم والرمي من المرتفعات.
بينما لم تكن التنظيمات المسلحة الأخرى بعيدة عن إصدار أوامر الإعدام أو الاعتقال من هذا النوع، فقد تشكّلت على مدار الـ 12 عامًا الماضية مجموعة من الهيئات القضائية التابعة لسلطات الأمر الواقع في مناطق السيطرة المختلفة.
نفّذ جيش الإسلام، المنضوي حاليًا تحت الجيش السوري المُعاد تشكيله، عمليات إعدام استهدفت أفرادًا من مجتمع الميم-عين بين عامي 2014 و2017، خلال فترة سيطرته على الغوطة الشرقية، وذلك استنادًا إلى قرارات صادرة عن المجلس القضائي في الغوطة الشرقية.

بينما نفّذت محكمة القضاء الأعلى في حمص وريفها، التي شكّلتها مجموعة من الفصائل المسلحة، أبرزها جبهة النصرة (الاسم السابق لهيئة تحرير الشام، السلطة النافذة حاليًا في سوريا)، إعدامًا تم تصويره بحق 7 أفراد في ريف حمص الشمالي عام 2015 بتهم تتعلق بالمثلية الجنسية.
بالنظر إلى الانتهاكات التي انتشرت صورها مؤخراً، والتي استهدفت عابرين/ات في ريف دمشق واللاذقية، يصبح من الضروري فهم الأيديولوجية التي تحكم السلطة الحالية وأفراد مراكز القرار الأمني والقضائي فيها. وعلى مدار الأعوام السابقة، شهدت هيئة تحرير الشام، بقيادة الرئيس السوري أحمد الشرع (المعروف حينها بأبو محمد الجولاني)تحولات براغماتية بارزة، حيث انتقلت من كونها فصيلاً جهادياً سلفياً تحت اسم "جبهة النصرة" إلى تنظيم أكثر تنظيماً له واجهة حكومية ممثلة بـ"حكومة الإنقاذ"، التي تمتلك هيكلاً سياسياً أكثر حداثة. ورغم سعي الهيئة المستمر لإعادة تشكيل مراكز قرارها بما يتماشى مع تحولات براغماتية في مجالات عدة، إلا أن قضايا مجتمع الميم-عين ظلت بعيدة عن هذا التغيير.
أحد أكثر الوجوه البارزة ضمن الحكومة السورية الجديدة هو وزير العدل شادي الويسي الذي كان عضوًا في جبهة النصرة (لاحقًا هيئة تحرير الشام) منذ 2015 على الأقل و الذي لاقى انتقادات كبيرة بعد انتشار فيديوهات له وهو يشرف على عمليات اعدام نساء بتهم تتعلق بالزنا في ريف حلب الشمالي وادلب عام 2015.
ولد الويسي في حلب عام 1985، وحصل على شهادة في الشريعة الإسلامية. بدأ حياته المهنية كمدرّس وإمام، ثم التحق بالحراك المسلح بعد 2011، حيث ساهم في تأسيس هيئات شرعية في حلب، شغل فيها مناصب قاضٍ شرعي وجزائي، وقاضٍ استئناف، ومدعٍ عام. كما ترأس عدة محاكم شرعية في مناطق مثل سلقين، حريتان، والبادية الشمالية.
توثّق الوثائق الصادرة عن دار القضاء في حريتان إصدار احكام بالإعدام بحق أربعة أشخاص من مجتمع الميم-عين، وتتضمن تفاصيل الحكم، وصف الوثيقة، التاريخ، والتوقيع.يظهر تطابق كامل عند مقارنة التواقيع الموجودة في هذه الوثائق مع توقيع شادي الويسيعلى القرارات الصادرة بعد توليه وزارة العدل في الحكومة السورية الحالية . يتضح في التوقيع، المنسوب إلى أبو العباس السوري وهو الاسم الحركي للويسي، الحرفان الأولان من اسمه (ش.و).
كما يظهر البحث في الصفحات الرسمية لدور القضاء تفاعل حساب "أبو العباس السوري" على صفحة دار القضاء في سلقين. وبالتحقق من هذا الحساب، تظهر صور شادي الويسي، بالإضافة إلى بطاقات تعريفية بمهامه، أرقامه، وتفاصيل تخرّجه الجامعي، واسمه الكامل كـ"الويسي"، مما يؤكد ارتباطه المباشر بالأحكام الصادرة.




عَملَت حكومة الإنقاذ السورية، التي تُعتبر الجناح السياسي لهيئة تحرير الشام على دمج الشريعة الإسلامية في نظامها القضائي. في هذه المناطق، اعتمدت الهيئات القضائية على قضاة أفراد يستخدمون تفسيراتهم الشخصية للقانون الديني، مما خَلق نظاماً غير متسق يصعب دراسته بشكل ممنهج.
قامت وزارة الداخلية في حكومة الإنقاذ عام 2018، عبر جهاز الشرطة التابع، لها باحتجاز ستة أشخاص في حوادث منفصلة، قبل إحالتهم إلى القضاء الشرعي، دون الإعلان عن نتائج قضاياهم، بينما تشير التقارير الحقوقية أن احتجاز الأفراد المتهمين بالانتماء الى مجتمع الميم عين قد تم ضمن ظروف قاسية، كما تم تطبيق أحكام الجلد في بعض الحالات. جدير بالذكر هنا أن الرئيس أحمد الشرع، زعيم هيئة تحرير الشام حينها، أكّد التزامه بتطبيق "شرع الله" في المناطق التي تسيطر عليها حكومة الإنقاذ.
إن مجتمع الميم-عين السوري والمقيمين/ات في سوريا ليسوا حالة طارئة على المجتمع، بل هم جزء أصيل منه، وقد واجهوا ما واجهته كافة أطياف السوريين من تهجيروقمع واعتقال وتفقير. لذا، فإن التعامل معهم من منظور المساومة في تبرير العنف أو عدمه، والإدانة أو التهليل، هو أمر غير مقبول. فالمسألة هنا لا تحتمل الافتراضات أو النقاش، إذ إن ما يجري يمثل تهديدًا جوهريًا لقيم المواطنة والمساواة، سواء عند رؤية هذه الانتهاكات أو حتى مجرد السماع عنها.
ولا ينبغي أن يقتصر هذا الفهم على تشكيل أدوات مناصرة تُستدعى فقط عند ظهور انتهاك جديد في فيديو متداول، بينما تُهمَل الانتهاكات التي تحدث بعيدًا عن عدسة الكاميرا. بل يجب أن يشمل أيضًا تعزيز المطالبة بعدالة انتقالية غير انتقائية، لا تكتفي بإعادة توزيع المواقع بين المركز والهامش، بل تتجنب إعادة إنتاج أنماط الإقصاء التي أبقت الفئات المهمشة عالقة تحت ضربات منظومات القمع لعقود طويلة، وقد تستمر كذلك لأربعين عامًا أخرى إن لم يتم تفكيكها جذريًا.