اللغة والبقاء والفك كمجتمع مضاد في تاريخ الكوير السوري

المطمطشيت هي لغة سرية ناتجة عن التفاعلات الاجتماعية بعض مجموعات مجتمع الميم عين لام السوري. هدفنا هو فحص بنية هذه اللغة، المعروفة باسم لغة "الجو" السوري، لتحديد بعض تفاصيلها و البيئة التي تطورت فيها.
ربما انتشرت السمات الأكثر تميزا في المطمطشيت مع تراجع الاحتلال الفرنسي لسوريا والنهضة الفنية السينمائية والمسرحية المصرية. من المهم أن نلاحظ أن المطمطشيت هي تركيبة تتشكل وتتجمع عناصرها مع مرور الوقت. لذا عند الحديث عن أصل المطمطشيت، ينبغي التركيز على أصل الأجزاء المكونة لها والسياقات الزمنية التي ازدهرت فيها.
يطور الأفراد فهماً للعالم اعتماداً على تفاعلاتهم مع دائرتهم الاجتماعية. من المرجح أن يطور الأفراد الذين يتفاعلون في نفس الظروف الاجتماعية عادات مماثلة. في هذا السياق، سنركز على المطمطشيت و مجتمع "الجو" كعوامل فاعلة تُستخدم ضمن مجتمع الميم عين السوري، وليس على تحديد مكان وحدات الكلمة التي تم تمريرها من لغات أخرى أو التحقيق في الظروف الاجتماعية التي تسببت في اجتماع هذه المجموعات.
المطمطشيت مبنية على أساس اللهجة السورية "البيضاء". ومع ذلك، فهي تنوع لغوي معجمي، حيث يتم تغيير معاني الكلمات المعيارية أو تضمين جذور مشتقة من لغات ولهجات أخرى. تُعرف المطمطشيت في مجتمع "الجو" بـ"استالوغي"، وتحتوي على كلمات خاصة تتعلق بالمواقف الجنسية، وأجزاء الجسم، والمكياج، والمال، والشرطة، والأنواع المتقلبة والمخيفة التي يجب الانتباه إليها، بالإضافة إلى كلمات لتصنيف الأشخاص داخل وخارج مجتمع "الجو".
أحد الأمثلة على الكلمات ال 40 التي يمكن تأريخها بسهولة في المطمطشيت هي كلمة "دوتا"، المستمدة من العبرية والتي تعني المهر الذي يقدمه الزوج المحتمل لأهل العروس. في سياق المطمطشيت، يُستخدم المصطلح للإشارة إلى الزبون الذي يدفع مقابل الخدمات الجنسية. يشير هذا إلى أن المطمطشيت قد تعود إلى فترة تم تأسيس اول بيت للعمل الجنسي للمجتمع الميم عبر شخص يهودي سوري. ومع ذلك، من الصعب تحديد تاريخ دقيق لبداية استخدام المطمطشيت كلغة سرية في "الجو" قبل الثمانينيات.
بعد احتلال فلسطين، انخفض عدد اليهود السوريين تدريجياً مع حركة الهجرة، ومع وصول حزب البعث إلى السلطة واندلاع أحداث الثمانينات، ازداد الضغط على الأقليات، بما في ذلك أفراد الميم عين، مما أدى إلى موجات هجرة رئيسية للسوريين. هذا قد يكون سبباً رئيسياً لتطور المطمطشيت بسرعة في تلك الفترة. يجب أن نأخذ في الاعتبار أن التركيبة اللغوية في المطمطشيت غير ثابتة وتحمل تأويلات مختلفة. تستمد بعضها هيكلها من اللغة التركية بإزاحة الفعل نحو نهاية الجملة، أو إضافة لواحق من لغات الأقليات الدينية/العرقية الموجودة في سوريا مثل الأرمنية والسريانية، أو حتى اللواحق العبرية التي تعنى بتأنيث جذر الفعل لتدل على الملكية أو حتى استخدام عناصر الملكية ف "شلو "(له) و "شلي"(لي) هي ضمائر ملكية من العبرية تستخدم أيضا ضمن المطمشيت. لا تخفى العناصر اللغوية الفرنسية ايضا من الكلمات التي تمت إعادة استخدامها ك "باترونة , انفونة" على سبيل المثال.
المطمطشيت لغة سرية إلى حد ما و ترتبط الكثير من مفرداتها بالعمل الجنسي والحياة الجنسية, لكنها دائما ما تستخدم ايضا ك ادوات لتأكيد الهوية, يتم مثلا استخدام مصطلح "اختي" في المطمطشيت لتأكيد الجندر عند الإشارة إلى امرأة، ولكنه يستخدم أيضًا مع الاشخاص غير الثنائي الجندر، ومع العابرات النساء، وحتى مع الأشخاص الذين يسعون للحصول على امتيازات الذكورة والموقع الاجتماعي السائد للذكورة خارج مجتمع "الجو".
المطمطشيت لا تشير فقط إلى رجل مثلي، امرأة مثلية، أو عابرة، بل إن الأفراد المنتمين إلى "الجو" هم أشخاص يعيشون خارج الواقع المعياري للمجتمع السوري. الجو هو شخص كويري يعيش نمط حياة غير معياري، وهذا يبرز أهمية المطمطشيت في العلاقات الشخصية، خصوصًا في تأكيد الهويات الجندرية لأولئك الذين قد لا يجدون نفس الاعتراف في السياقات المجتمعية الأوسع.
المصطلحات العائلية مثل "أمي"، "بنتي"، و"اختي" تتجاوز تعريفها الحرفي في المطمطشيت. على سبيل المثال، عندما أنادي إحدى صديقاتي العابرات للنوع الاجتماعي بـ"يا اختي"، فإنني أؤكد جندرها، في حين أن الناس في الشارع قد لا يرونها بضمير المؤنث. بالإضافة إلى ذلك، أؤكد علاقتي العائلية التي اخترتها معها.
تحمل أيضًا استخدامات المطمطشيت بوضوح مصطلحات تتعلق بالشرطة، الهرب من الشرطة، والحذر من العوامل التي قد تشكل خطرًا على الأفراد. ف " ماما جانيت" مصطلح يستخدم في المطمشيت للدلالة على دوريات الشرطة, العديد من الروايات التي سمعتها حول هذا المصطلح منها ما يعود لحقبة الاحتلال الفرنسي ومنها ما هو أكثر معاصرة.
لغة مضادة لمجتمع مضاد
المطمطشيت هي لغة مضادة لأن ما يميزها عن السورية العامية هو كيفية خروجها عن المعايير المهيمنة. مجتمع "الجو" هو بدوره مجتمع بديل، و الهرم المجتمعي في الجو و المطمطشيت هو أمومي وليس بطريركي. هذا التضاد يظهر عندما نقول في المجتمع السائد "يا أخي" لأي شخص من أي جندر، بينما في المطمطشيت نقول " يا اوختي" لأي شخص من أي جندر.
للمطمطشيت هرمها الاجتماعي الخاص، وقد استخدمت لصيانة هذا الهرم. الفرق بين المطمطشيت والسورية المحكية يتجلى في الهرم الاجتماعي، حيث تصبح الفئات الأقل قوة في المجتمع السوري المعياري الأقوى في مجتمع الجو. في هذا السياق، تحتل النساء العابرات العاملات في الجنس قمة هرم الجو الاجتماعي. أن تكون امرأة عابرة عاملة جنس يعد أمرًا مشرفًا وله قيمة اجتماعية في الجو.
يمكننا تخيل موقف في مطعم حيث يدخل زبون ويقول له أحدهم "أهلا بالشرموطة"، رد الفعل في المجتمع السائد سيكون معاديًا. لكن في المطمطشيت والجو، تختلف الدلالة والتبني تمامًا. استخدام كلمة "شرموطة" فى المطمطشيت يشبه قول "حبيبتي". هذا يعكس الواقع الذي أنشأته المطمطشيت، حيث يُطبع العمل الجنسي ويُلقى بالاحترام والتقدير.
المطمطشيت هي لغة مضادة لأنها اللغة الأم للفرد في المجتمع المضاد. الشخص يجب أن يكون عضوًا في هذا المجتمع ليتغير واقعه ويتبنى اللغة المضادة. ليس كل شخص كويري على دراية ب المطمطشيت، لكن عندما يختلطون مع مجتمع الجو الذي تنشط فيه المطمطشيت، سيستخدمونها عبر النشاط الاجتماعي. النشاطية في الجو و المطمطشيت مرتبطان ببعضهما لأن المطمطشيت تعبر عن الأداء الجندري وتعكس الهوية الكويرية وجزء من هوية الجو.
اللغة الأم تشير إلى اللغة الأصلية لعضو في المجتمع، وهي أساسية للتواصل اليومي داخل هذا المجتمع. اللغة المضادة على عكس اللغة الأم، ليست اللغة الأصلية لأي شخص. تظهر داخل "المجتمعات المضادة" الثقافات الفرعية أو المجتمعات التي تقاوم وتُعارض معايير المجتمع السائد , العضوية في المجتمع المضاد وهنا "الجو" اساسي لتعلم اللغة المضادة، يجب أولاً أن تصبح جزءًا من الجو او تعرف عن نفسك كذلك. هذا الانضمام يغير واقع الفرد، وتفاعلاته مع هويته من خلال المشاركة في أنشطة المجتمع والخبرات المشتركة اللتي يكتسبها.
على الرغم من أن المطمطشيت كانت موجودة بشكل رئيسي في دمشق، وتحديدًا في أماكن معينة مثل ابو رمانة ومحيطها ودمشق القديمة، إلا أنه كان يمكن مواجهتها في أي مكان آخر في سوريا وكلما تعمقنا شمالًا وشرقًا قلّت مواجهتها، ليس فقط لأن تلك المناطق قد تكون معزولة ثقافيًا كويريًا، بل لأن الكويريين غالبًا ما كانوا يتجهون إلى المدن الكبرى للهروب من الضغط الاجتماعي في المجتمعات الأقل كثافة. انتقلت المطمطشيت من خلال الحفلات التي كانت تقام في حمص أو حلب قبل الحرب السورية.
بينما يمكن استخدام المطمطشيت أو دراستها كأداة لنقاش الهوية الكويرية في المنطقة بشكل عام وسوريا بشكل خاص، قد يدعي البعض أن انتشار المطمطشيت سيساهم في اختفائها، كما حدث مع لغة الـ"Polari" في بريطانيا التي اختفت مع نهاية القرن العشرين. ومع ذلك، فإن تطور المطمطشيت لا يعني نهايتها بالضرورة.
توجد عدة أسباب قد تؤدي إلى اختفاء اللغة السرية، كما حدث مع لغات سرية أخرى,التقبل الاجتماعي والتغيرات القانونية إذا لم تعد هناك حاجة لاستخدامها.الحضور في الإعلام وانتشار اللغة إذا أصبحت اللغة معروفة واندمجت في اللغة السائدة. نقلة الجيل إذ أن الأفراد الأصغر سنًا قد لا يتبنون اللغة السرية، ويفضلون استخدام مصطلحات أو لغات أخرى كما ان الهجرة والشتات و الاندماج مع مجموعات مجتمعية أوسع يمكن أن يؤدي إلى تراجع استخدام المطمشيت.
لا يمكننا تأكيد أو نفي استمرار استخدام المطمطشيت في الوقت الحالي، نظرًا لصعوبة الوصول إلى تلك المجتمعات التي قد لا تزال تستخدمها أو تطورها. مع تزايد التضييق الأمني، عامل الثقة في تدهور مستمر. ولكن، البحث المستمر حول ماضي وحاضر المطمطشيت سيكون مفيدًا في فهم جزء أساسي من تاريخ الكوير السوريين.
”استرسالة لبتاريشيت استلوغو حافظشيت ، مرجعان احكيشيت„