التنظيم الكويري في ظل الثورة السورية

على الرغم من وجودها ومشاركتها في الثورة، إلا أن الأصوات الكويرية تم تهميشها و إسكاتها في كثير من الأحيان داخل خطابي النظام والمعارضة. تم استخدام " المثلية" كوسيلة لتقويض وتشويه سمعة المعارضين السياسيين خلال الثورة السورية ، يستخدمها كل من النظام وفصائل المعارضة لمحاولة تشويه سمعة الأفراد وإضعاف نفوذهم. يعكس هذا تكتيكًا شائعًا لاستخدام الهويات ككبش فداء أو هدفًا للهجمات السياسية.
أن الإقصاء السياسي الذي واجهه الناشطون الكويريون داخل الثورة السورية . على الرغم من مشاركتهم في حركات المقاومة، دفع العديد منهم إما لإخفاء هوياتهم ضمن مجموعات الحراك, أو الاندماج ضمن الحراك النسوي السوري.
التأسيس:
تأسست "تنسيقية المثليين السوريين لدعم الثورة السورية " بتاريخ 3 نيسان 2011, ونتجت عن اجتماع مجموعة من الأفراد الكوير السوريين بعد المشاركة بمظاهرة تشييع مجموعة من الشهداء في مدينة دوما في ريف دمشق (بشهر نيسان 2011), انطلقت فكرة تأسيس التنسيقية بشكل عفوي عبر نقاشات دارت بين أفراد التنسيقية حول واقع تنسيق الحراك الثوري وأدواته في تلك الفترة , وتواجد تنسيقيات مختلفة لقطاعات مختلفة.
عملت التنسيقية على مدار شهرين خلال الثورة السورية بشكل تنظيم جامع لأطياف مختلفة من مجتمع الميم عين السوري , وصل عدد افرادها الى 21 فرد خلال هذين الشهرين عبر استقطاب الأفراد لأصدقائهم ومعارفهم من مجتمع الميم عين, وتركز نطاق عملها بين دمشق وريفها , ومدينة حمص.
اعتمدت مجموعة التنسيق أدوات مختلفة للتواصل والتجمع فيما بينها , عندما شددت الأجهزة الأمنية سلطتها على تجمعات الافراد منذ بداية الثورة , كما بدأت بتطبيق رقابة صارمة على الخطوط الهاتفية والانترنت , منعت من خلالها شركات الاتصال أي كلمات في الرسائل النصية تشير الى أسماء المناطق أو المحافظات , دفع أفراد التنسيقية الى تشكيل مفردات مشفرة للتنسيق والدعوة للمظاهرات, يتحدث آرام:
"اعتمدنا على مجموعة من المفردات بهدف التواصل الآمن فيما بيننا سواءا من خلال التواصل الهاتفي أو عبر وسائل التواصل الاجتماعي كما اعتمدنا في بعض الحالات أسلوب التواصل القديم لأفراد مجتمع الميم من خلال استخدام مفردات معينة وسوابق ولواحق للكلمات بغية تشفير معانيها فمثلا عندما كنا ندعو بعض للمظاهرة نستخدم مصطلح طرة بما معناه باللغة العامية تمشاية وغيرها من المفردات"
بينما كانت اجتماعات أفراد التنسيقية تتم عبر مجموعات متفرقة في أماكن فيزيائية مختلفة, في منازل مختلفة بين المهاجرين ودوما وحمص أو في الحدائق العامة لتلافي تجمع كافة الأفراد في مكان واحد وفتح النقاشات حول واقع ومستقبل الثورة السورية , عمدت تلك الاجتماعات على التنسيق في المشاركة مع المظاهرات والأنشطة الثورية الجامعة ,,شارك أفراد التنسيقية بعدة أنشطة ضمن الحراك الثوري , تركزت أنشطتها الأساسية على تنسيق مشاركة أفرادها ضمن المظاهرات التي كانت تقام في مناطق مختلفة , اضافة للمظاهرات الخاصة لمجموعة قليلة من الأفراد والتي كانت رائجة في ذلك الوقت والتي تدعى " المظاهرات الطيارة " تضمنت توزيع منشورات كان أفراد التنسيقية يقومون بطباعتها عن تلك المشاركات يتحدث آرام:
"اعتمدنا في البداية على طباعة المنشورات في المنازل و اعتمدنا في تمويل عملية الطباعة على تبرعات أفراد التنسيقية وبشكل خاص العابرات من عاملات الجنس اللواتي قدمن أجور عملهن في سبيل طباعة المنشورات ولكن حينما واجهنا مشكلة في تمويل شراء الحبر للطابعة والأوراق اعتمدنا على أسلوب كتابة المنشورات بشكل يدوي بهدف تجاوز عقبة التمويل، وتم توزيع هذه المنشورات في أحياء المزة والمهاجرين والميدان والزاهرة القديمة في دمشق بالإضافة لحيي القصور والملعب في مدينة حمص."
تم استخدام الخطاب المعادي لأفراد مجتمع الميم عين على نطاق واسع منذ انطلاق الثورة السورية ضمن حملات اعلامية منظمة بدأت مع عام 2011 قادتها وسائل اعلام وشخصيات سياسية تابعة للنظام السوري اتهمت المعارضين من خلفيات سياسية وعسكرية ودينية بممارسة المثلية الجنسية استمر هذا الخطاب في الحملات الإعلامية الأخيرة التي رعاها النظام السوري في محاولة لربط قضايا مجتمع الميم عين بالليبرالية الحديثة والغرب واستهدافها "للمجتمعات الشرقية". في هذا الصدد تقول ( حنين) وهي عابرة للنوع الاجتماعي وإحدى مؤسسات تنسيقية المثليين في الثورة السورية:
"واجهت التنسيقية كأفراد مخاطر الاعتقال والاستشهاد حيث تم اعتقال مجموعة من أفراد التنسيقية عام 2011 وتعرضهم للتعذيب وصولا إلى الاغتصاب في إحدى الحالات، كما قدمت التنسيقية شهداء في سبيل الحرية والخلاص من الاستبداد حيث استشهد ثلاثة نشطاء في مدينة حمص, اثنين منهم من المعروفين جدا في الأوساط الثورية الإعلامية في حمص ولكن وبالطبع لا نستطيع أن نذكر اسمهما لأن ذلك بمثابة الإعدام المعنوي لشهادتهم وما ينبثق عنه من إسقاط صفة الثورية عن عملهما."
لم يقتصر خطاب الكراهية على اجهزة النظام السوري إلا أن بعض الأطراف الثورية قد شاركت بحملات إقصائية تجاه أفراد مجتمع الميم المشاركين/ات في الثورة , حتى في بعض الأوساط الأكثر "تقدمية" منها والتي نادت بمبادئ العدالة الاجتماعية , حاولت تغييب الهوية الكويرية ضمن الثورة اما خوفا من ردات فعل مجتمعية في حال عبرت صراحة عن دعمها للحراك الكويري داخل الثورة أو لهوموفوبيا/ترانسفوبيا متجذرة عند البعض منها. في هذا يقول (كريم):
"واجهنا كمجموعة كويرية نوع من الإقصاء ففي إحدى المظاهرات الطيارة في منطقة الزاهرة القديمة بدمشق أيار 2011 وبعد أن قمنا بتوزيع منشورات للمطالبة بالحقوق والمساواة لأفراد مجتمع الميم عين اقترب منا أحد النشطاء من تنسيقية الميدان وقال لنا بشكل واضح ومباشر "تاني مرة ما بدنا نشوفكم هون" في دلالة على رفضهم لمطالبنا ووجودنا في صفوف المظاهرة، كما وعندما شارك أحد أفراد التنسيقية في إنتاج أفلام التنسيقيات في دمشق وريفها حول أرشفة المظاهرات وحملات الاعتقالات وعند حديثه عن اعتقال أحد شركائه من المثليين في منطقة الشعلان خلال مشاركته في إحدى وقفات الاحتجاج السلمية تم رفض تسجيل هذه الحادثة بشكل مباشر تحت ذريعة أنهم لا يعترفون بالمثلية الجنسية وانخراط أفرادها ضمن صفوف الثورة."
بعد حملة الاعتقالات التي تعرض لها أفراد المجموعة , عمد أفراد التنسيقية تجميد عملها وإغلاق, مجموعات التنسيق على الفيسبوك وتجميد الاجتماعات, خوفا من الوصول إلى بقية الأفراد, بينما استمر انخراط الأفراد في نشاطات الثورة السورية وفي هذا تقول حنين :
"بعد تجميد عمل التنسيقية في حزيران 2011 بسبب المخاطر الأمنية لم يتوانى أفراد التنسيقية عن المشاركة في النشاط الثوري بصفتهم كأفراد من مجتمع الميم حيث شاركوا في كثير من النشاطات السلمية اللاحقة ولاسيما أنشطة منظمة الحراك السلمي السوري كإضراب الكرامة كانون الأول 2011 والمسرحية التي قدمت في إحدى ساحات الزاهرة القديمة بمناسبة يوم المرأة العالمي 8 آذار 2012 وإطلاق مناطيد الحرية وصولا للمظاهرات السلمية وعمل بعض أفراد التنسيقية في المجال الإغاثي ولاسيما بعد حملة التهجير الممنهج لأهالي مدينة حمص."
إن توثيق تجارب الكوير ضمن الثورة السورية لا يهدف فقط إلى إثبات مشاركة الكوير السوريين او تحديد دورهم في الثورة , وإنما يلقي الضوء على محاولة اطراف مختلفة ضمن الهياكل الثنائية (معارضة-نظام) استبعاد الاصوات الكويرية من المعارك التحررية من خلال إسقاط اتهامات "اخلاقية" او ترتيب اولويات ثورية تضع القضايا الجنسانية عند الهامش. إذ غالبًا ما يجد الأفراد الكويريون أنفسهم مهمشين داخل الهياكل الثورية والحكومية. ويؤكد هذا الاستبعاد الحاجة إلى مقاربات متعددة الجوانب للنشاط والمقاومة، والتي تعترف وتعالج التجارب والهويات المتنوعة داخل المجتمعات المهمشة.